السيد محمد باقر الصدر
58
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
والصدفة النسبيّة : هي أن توجد حادثة معيّنة نتيجة لتوفّر سببها ويتّفق اقترانها بحادثة أخرى صدفة ، كما إذا تعرّض ماء معيّن لحرارة بدرجة مائة فحدث فيه الغليان ، وتعرّض ماء آخر في نفس الوقت لانخفاض في درجة الحرارة إلى الصفر فحدث فيه الانجماد في نفس اللحظة التي بدأ فيها غليان الماء الأوّل . ففي هذا المثال يعتبر اقتران انجماد هذا الماء وغليان ذلك الماء ووجودهما معاً في لحظة واحدة صدفةً . والصدفة هنا نسبيّة لا مطلقة ؛ لأنّ كلًا من الغليان والانجماد وجد نتيجة لسبب خاصّ لا صدفةً ، وإنّما تتمثّل الصدفة في اقترانهما ، إذ ليس من اللازم أن يقترن انجماد ماء بغليان ماء آخر ، فإذا اقترن أحدهما بالآخر كان ذلك صدفة . وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّ الصدفة المطلقة : هي أن توجد حادثة بدون أيّ لزوم منطقي أو واقعي ، أي بدون سبب . والصدفة النسبيّة : هي أن تقترن حادثتان بدون أيّ لزوم منطقي أو واقعيّ لهذا الاقتران ، أي بدون رابطة سببيّة تحتّم اقتران إحداهما بالأخرى . والصدفة المطلقة مستحيلة من وجهة النظر الفلسفيّة الأرسطيّة ، أو أيّ وجهة نظر فلسفيّة أخرى تؤمن بمبدأ السببيّة بوصفه مبدأً عقليّاً قبليّاً ؛ لأنّ الصدفة المطلقة تتعارض مع مبدأ السببيّة ، فمن الطبيعي لكلّ من يؤمن بمبدأ السببيّة أن يرفض الصدفة المطلقة . ومبدأ السببيّة هذا - برفضه للصدفة المطلقة - يشكّل في الاتجاه الأرسطي واتجاه الفلسفة العقليّة عموماً ، القضيّة العقلية القبليّة التي تعالج المشكلة الأولى من المشاكل الثلاث التي يواجهها الدليل الاستقرائي ، كما تقدّم في مستهلّ هذا البحث . كما أنّ القضيّة العقليّة التي يعالج الاتجاه الأرسطي بها المشكلة الثالثة من تلك المشاكل ، مستنبطة من مبدأ السببيّة .